فروغ فرخزاد – آيات أرضية

عندها.. بردت الشمس‏

وارتفعت البركة من الأرض‏

عندها، الأرض الخضراء يبست كالصحراء‏

جفّت الأسماك في البحر‏

والتراب لم يعد يتقبل الموتى من بعدُ، ‏

الليل في كل النوافذ الشاحبة‏

مثل خيال مرتبك‏

كان يتراكم ويطغى، ‏

والطرقات أطلقت نهاياتها في الظلمة.‏

لم يعد أحد يفكر بالحب‏

لم يعد أحد يفكر بالفتح،‏

لم يعد أحد أبداً‏

يفكر بأي شيء.‏

في كهوف العزلة ولد العبث‏

ومن الدم انبعثت روائح الأفيون والحشيش‏

النساء الحوامل وضعن أطفالاً بلا رؤوس‏

والمهود ـ لفرط حيائها ـ لاذت بالمقابر.‏

كم هي أيام مرة وسوداء‏

لقد قهر الخبزُ قوّة النبوة العجيبة‏

وها أن الأنبياء ـ جوعى ومساكين ـ‏

يفرون من أرض الميعاد.‏

حملان المسيح الضالة‏

لم تعد تسمع في عمق الوديان، صوتَ‏

الراعي هاتفاً:هَيْ… هَيْ..‏

كأنما الحركات، الألوان والصور‏

انعكست مقلوبة في عيون المرايا،‏

وفوق رؤوس المهرجين السفلة‏

وعلى سحنات العواهر الوقحة‏

ثمة هالة نورانية مقدسة‏

مثل مظلة تحترق.‏

مستنقعات الخمر، ببخارها المزّ السامّ‏

استدرجتْ حشد المثقفين الساكن إلى‏

أعماقها، ‏

والجرذان المؤذية أكلت صفحات الكتب‏

المذهّبة في المكتبات العتيقة.‏

ماتت الشمس‏

ماتت الشمس، وغداً سيكون لها في‏

ذهن الأطفال معنى أبكم وضائع، ‏

إنهم لغرابة هذا اللفظ القديم في‏

واجباتهم المدرسية سيرسمونها‏

بقعة سوداء غليظة‏

الناس‏

الجمع المتهالك من الناس‏

ميتو القلوب‏

المتكئون‏

المنذهلون‏

في ظل وطأة أجسادهم المشؤومة‏

يرتحلون من غربة إلى غربة، ‏

الشهوة المؤلمة للجريمة‏

تتورم على أيديهم.‏

أحياناً‏

شرارة، شرارة بسيطة تجعل هذا‏

الحشد الساكت الفاني‏

يتلاشى بلمح البصر.‏

إنهم يهجمون بعضهم على بعض‏

الرجال بعضهم يقطع بالسكين حلقوم الآخر،‏

وعلى أسرّة من دم‏

يغتصبون العذارى.‏

إنهم غرقى وحشيتهم‏

إحساسهم بالإثم شلّ أرواحهم‏

العمياء الغبية.‏

وَ دائماً.‏

في مراسم الإعدام‏

عندما يضعون حبلاً في عنق المحكوم.‏

وتقفز عيناه المتشنجتان من محجريهما‏

تراهم منزوين في أعماقهم‏

ومن التخيل الشهواني‏

تصعق أعصابهم الشائخة التعبى.‏

ودائماً‏

في أطراف الساحات العامة‏

ترى هؤلاء المجرمين الصغار‏

يقفون وكلهم دهشة‏

من الانسكاب الأبدي لماء النوافير‏

ربما لم يزل وراء العيون المسحوقة‏

في عُمقِ الانجماد‏

ثمة من هو نصف ميت‏

على وشك موت كاذب،‏

وهو في سعيه المحتضر‏

يريد أن يؤمن بنقاء صوت الماء.‏

ربما‏

لكنْ كم هو فراغ لا نهائي هذا.‏

لقد ماتت الشمس‏

وما من أحد عرف بأن تلك الحمامة‏

الحزينة التي فرّت من القلوب‏

اسمها: الإيمان.‏

آه‏

أيها الصوت الحبيس‏

ترى، هل أن عظمة يأسك‏

من لا اتجاه في هذا الليل الضجر‏

سوف تفتح ثقباً إلى النور؟‏

آه‏

أيها الصوت الحبيس‏

يا صوت الأصوات الأخير.‏

*

ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق